سيد محمد طنطاوي
120
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وهاتان الجملتان * ( حَمَلَتْه أُمُّه وَهْناً عَلى وَهْنٍ وفِصالُه فِي عامَيْنِ ) * جاءتا بعد الوصية بالوالدين عموما ، تأكيدا لحق الأم ، وبيانا لما تبذله من جهد شاق في سبيل أولادها ، تستحق من أجله كل رعاية وتكريم وإحسان . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : فقوله : * ( حَمَلَتْه أُمُّه وَهْناً عَلى وَهْنٍ وفِصالُه فِي عامَيْنِ ) * كيف اعترض به بين المفسر والمفسر ؟ قلت : لما وصى بالوالدين : ذكر ما تكابده الأم وتعانيه من المشاق والمتاعب في حمله وفصاله هذه المدة المتطاولة ، إيجابا للتوصية بالوالدة خصوصا وتذكيرا بحقها العظيم مفردا ، ومن ثم قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لمن قال له : من أبر ؟ قال : « أمك ثم أمك ثم أمك ، ثم قال بعد ذلك : « ثم أباك » « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( أَنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ) * بيان لما تستلزمه الوصية بالوالدين أي : وصينا الإنسان بوالديه حسنا ، وقلنا له : اشكر لخالقك فضله عليك ، بأن تخلص له العبادة والطاعة ، واشكر لوالديك ما تحملاه من أجلك من تعب ، بأن تحسن إليهما ، واعلم أن مصيرك إلى خالقك - عز وجل - وسيحاسبك على أعمالك ، وسيجازيك عليها بما تستحقه من ثواب أو عقاب . ثم بين - سبحانه - حدود الطاعة للوالدين فقال : * ( وإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِه عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما ) * . . والجملة الكريمة معطوفة على قوله * ( ووَصَّيْنَا . . . ) * بإضمار القول . أي : ووصينا الإنسان بوالديه . وقلنا له : * ( وإِنْ جاهَداكَ ) * أي : وإن حملاك * ( عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ) * في العبادة أو الطاعة ، * ( ما لَيْسَ لَكَ بِه عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما ) * في ذلك ، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق . وجملة * ( ما لَيْسَ لَكَ بِه عِلْمٌ ) * لبيان الواقع ، فلا مفهوم لها ، إذ ليس هناك من إله يعلم سوى اللَّه - عز وجل - . ثم أمر - سبحانه - بمصاحبتهما بالمعروف حتى مع كفرهما فقال : * ( وصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً ) * . أي : إن حملاك على الشرك . فلا تطعهما ، ومع ذلك فصاحبهما في الأمور الدنيوية التي لا تتعلق بالدين مصاحبة كريمة حسنة ، يرتضيها الشرع ، وتقتضيها مكارم الأخلاق .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 494 .